سلمى الحوسني
 سلمى الحوسني  
  أنا التي أشبهني     موانئ زرتها     صندوق أمنياتي  
     
   
 
وطن من سراب - 2

هنا، كانت الحياة خصبة لبذر أحلامها.. نمت سريعا و أثمرت، حققت كل ما كانت تتمناه، في طفولتها كانت مولعة جدا بسرقة سيارة والدها و قيادتها في أحياء مانيلا الضيقة، لطالما حلمت دائما أن تستعيض عن أقدامها بعجلات السيارة، و حين استلمت رخصة قيادتها.. كانت سيارة شقيقها ملاذها الوحيد، تخطف منه المفاتيح و تجوب الطرقات التي تعرفها جيدا… و حين جاءت للإمارات، لم تكن تطمح للعمل بشهادة الاقتصاد التي نالتها بدرجة أدنى من الامتياز بقليل، أخبرتها صديقتها عن حاجتهم لمدربات لتعليم قيادة السيارات، كانت النساء في هذه البلاد قد بدأن يشعرن برغبتهن في التعلم و الانطلاق.. لم تكن تفقه في أصول التعليم شيئا، لكنها بدأت تعلمهن ما تعرفه هي عن القيادة.. و يبدو أنها كانت تنجح في طريقها، ثمانية و عشرون عاما و هي تجوب الشوارع كل يوم على المقعد المجاور للسائق.. تثرثر، تضحك، و تسخر من الحياة.. و في نهاية الأسبوع تتصل بها المتدربات ليشكرنها على جهودها الرائعة، تمكن من اجتياز اختبار السواقة بنجاح.!

عادت لمانيلا في إجازة قصيرة، كان صيفا حارا هنا.. و هناك استقبلتها والدتها بوجه شاحب.. كانت الحياة قد ملت منها و تكاد تلفظها، عينا والدتها كانتا تفيضان بحديث طويل، و في أمسية دافئة سكبت كل ما في روحها، سألتها:

-  متى سترجعين لتعيشي معنا من جديد؟

-   ليس الآن، لا زال لدي الكثير لأنجزه هناك..

-  و حياتك؟ تخطيت أعتاب الثلاثين، حتى متى ستظلين كورقة هائمة في مهب الريح.. ستذبلين يوما و تندمين على أيامك التي فرطت بها..

-   لا أفهم.!

-   تزوجي..

الحكاية المعتادة، تريدها أن تتزوج كي ترى أطفالها قبل أن تموت، لم تفكر في الأمر كثيرا.. كان العثور على زوج أسهل مما يمكن تصوره، كثر هم الرجال الذين يبحثون عن امرأة مثلها.. بالنسبة لهم كانت تبدو كنزا من المال لن ينضب، هي فرصة ذهبية، ستتزوج، تترك زوجها و تسافر من جديد.. لتعيش حياتها كما كانت، لكن مع زوج يبعد عنها آلاف الكيلومترات و يقاسمها نصف ما تكسبه من مال.!

بعد سنوات عدة كان عليها أن تقلل من مصاريفها و تزيد من ساعات عملها كي تدخر المال لطفلها الذي سيأتي قريبا، بدأ بطنها يتكور مع مرور الأشهر.. و قبل موعد الولادة بشهرين عادت لكنف جدتها، كانت والدتها قد ودعت الحياة قبل أن تقر عينيها برؤية أطفالها، لم تمكث طويلا.. لقمته زجاجة حليب و ركبت مدرج الطائرة.. كانت تكتفي باكتشاف ملامح وجهه التي تتغير مع كل صورة جديدة يرسلها لها زوجها، و حين تعود في الصيف.. ينظر  الطفل لها بعين مرتابة، لم تتمكن أبدا من أداء دورها كأم له.. و لم يتمكن هو من حبها كما يجب..

حين أنجبت طفلتها الثانية، كان زوجها قد وجد له عشيقة يهيم في سمائها.. ترك الأطفال يكبرون عند خالتهم كيفما اتفق، و في نهاية الشهر حين يصله المال، ينفقه على ملذاته، و لا يمنح الصغار منه سوى الفتات.. لم تدرك هذه الحقيقة إلا متأخرة جدا.. فكرت بزوجها، خيانته لها، أطفالها المشتتين.. هل هذا ما أرادته دائما؟ لم ترفع يوما سقف آمالها كي لا تصاب بخيبة أمل، و هل كانت تتوقع من رجل مثله وفاء لا نظير له؟ أصبحت ترسل المال إلى شقيقتها و لم يكن هذا أفضل الحلول، في كل مرة يفلس جيبه يقف أمام بابها مثل كلب مسعور يهدد و يتوعد بأن يأخذ الأطفال إن لم تمنحه المال، ظل ذلك الثقب في حياتها مفتوحا.. تنزف منه دون أن تجد سبيلا للخلاص، هنا.. على شوارع تشتعل نارا تحت أشعة الشمس القائظة صيفا، و لا يأتيها المطر إلا شحيحا في الشتاء ظلت تنفق ساعات عمرها، أصبحت الطرقات تعرفها جيدا رغم أن سيارتها تشبه مئات السيارات التي تجوب العاصمة بطلاء أبيض و خطوط سوداء و برتقالية.. و لا فتة صفراء فاقعة تحمل علامة: ت L.

عند الساعة التاسعة و خمسة دقائق رن هاتفها من جديد، كانت متدربة أخرى تنتظرها.. ردت بصوت موجوع واهن، قالت لها أنها متعبة و لن تتمكن من إعطاء درس اليوم.. فجأة خطرت ببالها فكرة، أخرجت ورقة من درج مكتبها.. تناولت القلم و خطت كلمات مرتبكة، لم تفكر من قبل أن هذا اليوم سيأتي عاجلا أم  آجلا، طوت الورقة.. أودعتها في ظرف أبيض، و على الظرف كتبت اسم مدير مدرسة تعليم القيادة الذي تعمل عنده.. تراءى لها وجه ابنتها و هي تنظر إليها بعين دامعة، كأنها تقرأ في عينيها سؤالا تعرفه جيدا: و مصاريف الجامعة يا ماما؟ من أين سآتي بها؟

هل ستعيش ما بقي لها من أيام  و هي تبعثر حياتها من أجل الآخرين؟ حتى لو كانوا أبناءها؟ أليس من حقها أن ترتاح أخيرا.. فكرت بكل ما ادخرته، قد يكفيها.. قد يكفيها لترتاح.. ليست بحاجة لأن تفكر بأحد بعد اليوم، رفعت سماعة الهاتف.. اتصلت بمكتب السفريات، تستفسر عن أقرب طائرة متجهة إلى مانيلا..

- تمت -

 
أضيفت بتاريخ   2009/2/19 12:14 PM    
 
  تعليقات القراء (1)

1- ياااااه ياسلمى .. هذه قصة مادتها الشجى الخام ! قلمك طري كلقبك، يلامس جراحاً هي جراح كل بلد وقطر ويترجمها حرفا فاخرا حزينا. أحببت مدونتك ياسلمى ، أحببتها جدا :) .

التعليق: بواسطة الأندلسية 2009/4/11 2:47 AM
 


أضف تعليقاً على هذه المادة

الاسم   *
 
البريد الألكتروني   *
 
الموقع الشخصي  
 
التعليق  
 
   
 
    ( * ) هذه العلامة تدل على ان بيانات الحقول مطلوبة

وطن من سراب - 1
حين استيقظت هذا الصباح، كان كل شيء يبدو أمامها ضبابيا و باهتا، و كأن عينيها فقدت القدرة  »»
أضيفت بتاريخ   2009/1/28 3:47 PM    تعليقات

غايب
من جديد، لم يخذلني الغلاف الذي أحببته منذ النظرة الأولى.. كان ذلك بسبب اليد  »»
أضيفت بتاريخ   2009/1/24 3:51 PM    تعليقات (3)

سراب
قد تكون مجرد ريح حملتك لتسقطك هنا، على أرض لم تتعمد أن تشق الطريق إليها... و الآن،  »»
أضيفت بتاريخ   2009/1/16 4:26 PM    تعليقات (2)

و نطق الحجر
هل كنا بحاجة لليوم الرابع عشر كي نتحرك أخيرا؟ هل كنا ننتظر أن يفوق عدد الشهداء سقف  »»
أضيفت بتاريخ   2009/1/9 11:55 PM    تعليقات

 
سلاّم
  حين بدأت القراءة، ظننت أني سأتململ سريعا.. و كأني أقرأ حكاية من تلك الحكايات  »»
أضيفت بتاريخ   2009/1/8 7:05 PM    تعليقات

خل السلاح صاحي
نختبئ في جحورنا، في بقعة من الشرق الأوسط.. نعيش حياتنا بشكل طبيعي جدا.. نستيقظ صباحا، نذهب إلى أعمالنا، نأكل،  »»
أضيفت بتاريخ   2009/1/6 12:39 PM    تعليقات (3)

كم بدت السماء قريبة
مأساة أخرى، نقرؤها.. نسمع عنها، دون أن نلمسها بأصابعنا.. لندرك حقيقتها، دون أن نكون  »»
أضيفت بتاريخ   2008/12/31 1:06 PM    تعليقات (2)

الحب في زمن الكوليرا
    ضحكت.. في الوقت الذي كان يفترض بي أن أبكي، لا أدري لم ظننت أن  »»
أضيفت بتاريخ   2008/12/26 10:53 PM    تعليقات (5)


   أرشيف المواد
   أعضاء اتحاد المدونين

إجراءات
 
 
ارتباطات

 
 
عدد الزوار